كثيرا ما يغفل دارسوا حرب الخليج العرب عن الجانب البحري في هذه الحرب. و قد يكون من اسباب ذلك هو قلة اهتمام الجيوش العربية بالبحرية بشكل عام و اعتبارها السلاح الثالث من حيث الاهمية بعد سلاح البر و الطيران في الحروب العربية المعاصرة.
في المواجهة بين العراق و امريكا كان الوضع اقرب للحرب الغير متماثلة، فالعراق بالكاد يملك اي قطع بحرية تنافس ما لدى ايران او السعودية بسبب صغر مدخله المائي فما بالك مع اقوى قوة بحرية في العالم. و سوف ابدأ سرد هذه المواجهة بذكر اسلحة العراق و 4 سفن للولايات المتحدة التي اشتركت في هذه المواجهة.
1- اسلحة العراق: كان السلاح العراقي الاهم هو سلاح الالغام و الصواريخ. و كان لدى العراق تشكيلة مهمة من الالغام البحرية اهمها:
الغام السطح البحري التي تزرع على السطح و لا تنفجر الا عند ملامسة بدن السفينة و هذه الالغام تعود للحرب العالمية الاولى في بساطة تصميمها و كانت تحمل شحنة بين 150 و 200 كغم. و كان العراق يصنعها محليا.
الغام العمق: و هي الغام اكثر تعقيدا و تعمل على صوت المحرك السفينة او مجالها المغناطيسي او تغيير الضغط الناتج عن مرورها. حيث يكون اللغم مزروعا بشكل عميق لا يسمح برصده و فيه ما يشبه السماعة التي تلتقط اصوات المحركات و عندما يقترب محرك السفينة ينفجر اللغم. استورد العراق كمية كبيرة منها اثناء الحرب مع ايران.
صواريخ دودة القز Silkworm. و هذا الصاروخ الصيني من طراز ارض بحر اشتهر بشكل كبير في اثناء حرب الخليج الاولى عندما استخدمه العراق و ايران لضرب سفن و ناقلات نفط الطرف الثاني. و كان مداه حوالي 200 كم و الرأس الحربي يصل ل 500 كغم. و يتم توجيهه بالرادار.
صواريخ جو بحر (اكسوسيت) بمدى 180 كم. تطلق من طائرات العراق مع احتمال استخدام هجمات انتحارية للطائرات باسلوب الكاميكازي
2- سفن التحالف:
السفينة ويسكونسن و (مثلها السفينة ميزوري): تعتبر من اخر السفن الحربية المدفعية التي انشأتها الولايات المتحدة. و بدأت العمل في الاربعينات. وزن الازاحة 45000 طن و تحمل السفينة 9 مدافع عيار 16 انش بمدى 30 كم. و 20 مدفع عيار 5 انش بمدى 15 كم. و تم تزويد السفنية بمضاد جو رشاش عيار فالانكس و صواريخ توماهوك و هاربون. يعمل في السفنية اكثر من 2000 بحار.
السفينة طرابلس. و هي سفينة انزال بحري بطول 100 متر و وزن ازاحة 19000 طن و طاقم اكثر من 660 بحار و ضابط و تحمل ايضا اكثر من 30 مروحية من مختلف الطرز للنقل و للهجوم.
السفينة برينستون و هي طراد صواريخ يعتبر من احدث السفن الامريكية العاملة وقتها. بوزن ازاحة 9800 طن و طاقم حوالي 400 بحار و ضابط. كان عمر السفينة في البحر اقل من عامين و قد كلفت حوالي مليار دولار. و هو مبلغ معقول بالنظر ﻷنظمة السفينة الالكترونية الرهيبة. و على رأسها رادار ايجيس. و رادارات كشف ارضي و جوي و انظمة تحكم بالنيران و انظمة تشويش الكترونية مع مئات الصواريخ من مختلف الانواع و على رأسها التوماهوك و الهاربون. باختصار كانت قاعدة رصد و تشويش على البحر.
سير العميات
و قد كانت السفن الامريكية من اول القطع التي وصلت الخليج العربي. و رغم هذا الوصول المبكر الا ان سفينتي ويسكونسن و ميسوري لم تشاركا في اعمال الحرب و القصف بسبب الخوف من استفزاز العراقين لبدء الحرب مبكرا و كذلك بسبب الخوف من الالغام.
رفع الحظر يوم 3 فبراير بعد تقارير ايجابية من كاسحات الالغام البحرية. و خلال ايام بدأت السفينتين بقصف القوات العراقية على الساحل الكويتي.و قصف السفن الحربية ليس كمثله قصف! حيث يصل قطر المدفع 16 انش و كانت هذه السفن تحوي 3 مدافع معا من هذا العيار. تطلق بفارق ثانية واحدة. و في العادة تستغرق حوالي 10 طلقات فردية لضبط العيار و بعدها تضرب المدافع الثلاث معا. و كل قذيفة تزن حوالي 800 كم و تنفجر في الجو الى 3000 شظية بما يكفي تغظية ملعب كرة قدم.
و كررت السفن القصف بسبب عدم الحاجة لخدماتهم في العملية البحرية و لكون السفينتين ستحالان للتقاعد بعد هذه الحرب. و بدل ان نرمي الذخيرة في القمامة فلنطلقها على العراقيين. و قد ضحك شوارتزكوف من هذا الرد على طلبه اقتصاد الذخيرة و سمح للسفينتين بضرب ما عندهم.
بعد ان قرر الجنرال شوارتزكوف الغاء الانزال البحري على ميناء الشعيبة الكويتي، و الاستعاضة عنه بهجوم بسيط على جزيرة فيلكا. بدأت قيادة الاركان البحرية بعمل خطط العملية الجديدة. و من اجل استخدام مدافع السفينتين ميسوري و وسكونسن في القصف المدفعي، كان من الضروري ان تقترب السفن اكثر نحو شمال الكويت، مما دعى البحرية ان تحضر خطة عمل للتعامل مع الالغام البحرية.
كانت الخطة ان يبدأ مسح الالغام من نقطة تبعد 50 كم شرق شط الكويت، و هو ما افترض انه مدى ابعد من مما تستطيع سفن زراعة الالغام العراقية الوصول له. و سوف يتم فتح ممر بعرض 300 متر عبر الالغام شمال غرب و بطول 20 كم. و عند تلك النقطة ستمسح سفن الالغام مستطيل 5*15 كم حتى تتمكن السفن من ضرب جزيرة فيلكا يوم الهجوم البري - 24 فبراير حسب اخر تقدير.
قد لا يعرف الكثيرون ان الالغام البحرية هي كابوس ما بعده كابوس. و خصوص للجانب الامريكي الذي عانى الامرين في مواجهة دول تافهة بحريا مثل كوريا الشمالية بسبب الالغام. و هناك حكمة معروفة ضمن طاقم البحارة (كل سفينة ممكن ان تكون كاسحة الغام، و لكن لمرة واحدة فقط).
بدأ العمل يوم 16 فبراير على المرحلة الاولى. و انتهى التنظيف يوم 17 فبراير مساء بدون كشف اي الغام. و بالتالي قدر المهندسون ان العراق وضع الالغام البحرية بشكل اقرب للشاطئ.
هذا الاستنتاج بدا معقولا، منطقيا، و لكنه خاطئ تماما! فقط كانت الالغام العراقية شرق الموقع الحالي للامريكان! و شكلت الالغام حزاما خارجيا بطول 150 ميل و حزام داخلي لحماية موانئ الكويت و ام قصر. و الامريكان كانوا بالمنتصف. و تبين في ما بعد ان العراق وضع اكثر من 1200 لغم بحري في الخليج. و تبين ان السفن الامريكي دخلت حقل الغام عراقي في الطريق لنقطة البدء و كانت معجزة - و اهمال هندسي عراقي جسيم - ان الالغام لم تضرب ولا سفينة. فقد تبين ان كثير من الالغام لم تثبت بشكل جيد فجرفها التيار، و الغام اخرى زرعت على عمق كبير بحيث لم تصب السفن التي مرت. و قدر الامريكان ان 95% من الالغام العراقية كانت مزروعة بشكل سيء مما افقدها الفعالية. و كان بنفس فداحة الخطأ العراقي هو اهمال الامريكان ان يستكشفو مواقع الالغام العراقية. فقد منع شوارتزكوف اي نوع من الاستطلاع القريب خوفا من اشعال الحرب البرية قبل ساعة الصفر. لاحظ خريطة الالغام العراقية كما حصل عليها الامريكان بعد الحرب، حيث وجدت السفن بين الحزام الخارجي و الداخلي:
كان في مركز حملة مسح الالغام - و العمليات البحرية في ذلك القاطع - سفينة الانزال البحري طرابلس.. حيث يوجد عدد اكبر من الاشخاص المتوافرين للبحث عن الالغام القريبة من السطح. و يمكن استخدام سطح السفينة لاقلاع مروحيات تفجير الالغام و معالجتها.
مساء يوم 17 فبراير، التقط الامريكان اشارة رادار من بطارية صاروخ Silkworm على الشاطيء. وضع الطراد برنستون نفسه بين مصدر الاشارة الرادارية و السفن الاخرى التي بدأت تبتعد عن مدى الصاروخ بحركة متموجة لزيادة صعوبة محاولة استهدافهم. و كانت سفينة طرابلس في المقدمة.
قبيل الفجر بدأت السفينة طرابلس تتحرك نحو نهاية الممر الذي تم تنظيفة. حتى تنطلق المروحيات من سطحها لتنظيف المنطقة التي ستبدأ منها سفن المدفعية القصف. و كان على سطحها 7 مراقبين للبحث عن الالغام القريبة من السطح، و لم يرصد اي منهم لغم من طراز LUGM-145 بوزن 160 كغم. و انفجر اللغم تمام الساعة 4:36 فجرا. و قد ادى الانفجار لثقب بمساحة 10*7 متر في منطقة استخدمت لتخزين مواد مثل الدهان. مما غطى السفينة برائحة المواد الكيماوية. و ظن الطاقم اول الامر ان الضربة كانت كيماوية، او ان احد المحركات انفجر. و بدأ الطاقم اجراءات التعامل مع الانفجار، حيث يجب اغلاق كل ابواب قعر السفينة لمنع تسرب المياه. يأخذ الامر عادة 10 دقائق لاقفال الابواب. و نجح الطاقم في ذلك في نصف الوقت. و لكن تسرب ربع مليون غالون ماء لقعر السفينة، و بالتالي وصلت المياه للمحركات. و بدأ سباق مع الزمن لضخ المياه خارج السفينة و لتدعيم باقي هياكلها حتى لا تتسرب المياه. و خلال ساعة كان تقرير المهندسين: سوف تنجو السفينة - مالم يتم الاصطدام بلغم اخر. و قامت السفينة باستكمال اعمال مسح الالغام بدون ان تتحرك، حيث ارسلت 12 مروحية من على سطحها ﻷكمال المهمة.
و بدل ان تتوقف السفينة برينستون فور سماع نبأ الانفجار في السفينة طرابلس على بعد 15 كم. اكملت السفينة الحركة و لكن بسرعة بطيئة جدا و مع استنفار الاطقم لمراقبة الالغام السطحية و لكن ليست الالغام العميق الصوتية. و ما هي الا دقائق حتى انفجر الى جانبها لغم صوتي من نوع مانتا تحت السفينة. و في الواقع فان اكبر الاضرار في السفن - و كذلك الاصابات - تحصل بعد الانفجار. حيث ترفع السفينة بفعل قوة الانفجار لأعلى و تهبط ﻷسفل مما يعرض هيكلها لضغط شديد يؤدي لتمزقة. و كانت اضرار الانفجار اصابت مياه التبريد (مما اوقف الرادر ايجز بسبب ارتفاع حرارته) و تعطلت صواريخ الهاربون و تعطل محول الكهرباء و بدأ الماء يتسرب للسفينة. تم اصلاح كل هذا خلال ساعتين. لكن هيكل السفينة قد تضرر لدرجة انه لن يتحمل حتى اهتزاز السفينة من حركة محركاتها. خرجت السفينة برينستون من المعركة و تم سحبها بعد ان ظلت في الماء اكثر من 30 ساعة، و لكن انظمتها المعقدة كانت جاهزة ﻷي تهديد صاروخي. و اكملت السفينة طرابلس مسح الالغام لخمسة ايام قبل ان تنسحب تاركة المجال لسفن المدفعية. كانت ضربة مهينة للبحرية ان يتم اعطاب سفينة بقدر و قدرة برينستون في عملية كسح الغام عن طريق لغم بحري. لم يحدث قتلى في اطقم السقن الامريكية بل بعض الجرحى.
المواجهة البحرية الاخيرة تمت بعدها باسبوع عندما ضرب العراقيون صاروخي ارض بحر على ويسكونسن و لكن تمكن فرقاط انجليزي مرافق من اسقاط الصاروخ. و الاخر فقد تاه. و انتهت المواجهة البحرية الغير متماثلة بنصر عراقي مهم. و لكنه نصر معنوي لم يغير سياق المعارك و ان قلل من قدر البحرية الامريكية التي بكى قائد الفرقاطة برنستون على ما حل بسفينته. و لعل هذا سبب اخر لنسيان المواجهات البحرية في حرب عام 1991، هذه المرة من الطرف الامريكي!
المصدر
ٌ
R. Atkinson - Crusade